ابن عجيبة
583
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره ؛ ظهر أثر ذلك على الظاهر من مكارم الأخلاق ، ولين الجانب ، وحسن الخطاب ، وترك العتاب ، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ؛ وما كمن فيك ظهر على فيك ، وهذه أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم وأرضاهم - وبذلك وصفهم القائل فيهم ، فقال : هيّنون ليّنون أيسار بنو يسر * سوّاس مكرمة أبناء أيسار لا ينطقون بغير الحقّ إن نطقوا * ولا يمارون إن ماروا بإكثار من تلق منهم تقل هذاك سيّدهم * مثل النّجوم التي يهدى بها السّار ومن شأن الحضرة التهذيب والتأديب ، فلا يبقى معها لغو ولا تأثيم ، لأنها جنة معجلة ، قال تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً . وأيضا أهل الحضرة حصل لهم القرب من الحبيب ، فهم في حضرة القريب على بساط القرب على الدوام ، ولا يتصور منهم الجهر بالكلام ، وهم في حضرة الملك العلّام . قال تعالى : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ، فرفع الصوت عند الصوفية مذموم شنيع ، يدل على بعد صاحبه كيف ما كان ، وتأمل قضية الصّدّيق حيث قال له - عليه الصلاة والسلام - : « مالك تقرأ سرا ؟ » فقال : ( إن الذي نناجيه ليس ببعيد ) . أو كما قال ، وإنما قال له صلّى اللّه عليه وسلم : « إرفع قليلا » ؛ إخراجا له عن مراده ، تربية له . والله تعالى أعلم . ولما قدّم أقبح الكفر ، وهو كفر المنافقين ، ذكر ما يليه ، وهو كفر اليهود ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 150 إلى 151 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) قلت : ( حقا ) : مصدر مؤكد للجملة ، أو صفة لمصدر الكافرين ، أي : كفروا كفرا محققا يقينا . وأصل ( اعتدنا ) : أعددنا ، أبدلت الدال تاء ؛ لقرب المخرج . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ الأنبياء وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ، كاليهود ، آمنوا بموسى